فخر الدين الرازي

37

تفسير الرازي

جرم أول ما أراد موسى أن يتحف الحضرة الإلهية بتحف الطاعات والعبادات أتحفها بالدعاء فلا جرم قال : * ( رب اشرح لي صدري ) * . والوجه الثاني : في بيان فضل الدعاء قوله عليه السلام : " الدعاء مخ العبادة " ثم إن أول شيء أمر الله تعالى به موسى عليه السلام ( العبادة ) لأن قوله : * ( إنني أنا الله ) * ( طه : 14 ) إخبار وليس بأمر إنما الأمر قوله : * ( فاعبدني ) * ( طه : 14 ) فلما كان أول ما أورد على موسى من الأوامر هو الأمر بالعبادة لا جرم أول ما أتحف به موسى عليه السلام حضرة الربوبية من تحف العبادة هو تحفة الدعاء فقال : * ( رب اشرح لي صدري ) * . والوجه الثالث : وهو أن الدعاء نوع من أنواع العبادة فكما أنه سبحانه وتعالى أمر بالصلاة والصوم فكذلك أمر بالدعاء ويدل عليه قوله تعالى : * ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب ) * ( البقرة : 186 ) . * ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) * ( غافر : 60 ) . * ( وادعوه خوفاً وطمعاً ) * ( الأعراف : 56 ) . * ( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ) * ( الأعراف : 55 ) . * ( هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين ) * ( غافر : 65 ) . * ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) * ( الإسراء : 110 ) . * ( واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ) * ( الأعراف : 205 ) وقال صلى الله عليه وسلم : " ادعوا بياذا الجلال والإكرام " فبهذه الآيات عرفنا أن الدعاء عبادة قال بعض الجهال : الدعاء على خلاف العقل من وجوه : أحدها : أنه علام الغيوب يعلم ما في الأنفس وما تخفي الصدور ، فأي حاجة بنا إلى الدعاء . وثانيها : أن المطلوب إن كان معلوم الوقوع فلا حاجة إلى الدعاء وإن كان معلوم اللاوقوع فلا فائدة فيه . وثالثها : الدعاء يشبه الأمر والنهي وذلك من العبد في حق المولى سوء أدب . ورابعها : المطلوب بالدعاء إن كان من المصالح فالحكيم لا يهمله وإن لم يكن من المصالح لم يجز طلبه . وخامسها : فقد جاء أن أعظم مقامات الصديقين الرضا بقضاء الله تعالى . وقد ندب إليه والدعاء ينافي ذلك لأنه اشتغال بالالتماس والطلب . وسادسها : قال عليه السلام رواية عن الله تعالى : " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين " فدل على أن الأولى ترك الدعاء والآيات التي ذكرتموها تقتضي وجوب الدعاء . وسابعها : أن إبراهيم عليه السلام لما ترك الدعاء واكتفى بقوله : " حسبي من سؤالي علمه بحالي " استحق المدح العظيم فدل على أن الأولى ترك الدعاء . والجواب عن الأول أنه ليس الغرض من الدعاء الأعلام بل هو نوع تضرع كسائر التضرعات . وعن الثاني : أنه يجري مجرى أن نقول للجائع والعطشان إن كان الشبع معلوم الوقوع فلا حاجة إلى الأكل والشرب وإن كان معلوم اللاوقوع فلا فائدة فيه . وعن الثالث : أن الصيغة وإن كانت صيغة الأمر إلا أن صورة التضرع والخشوع تصرفه عن ذلك . وعن الرابع : يجوز أن يصير مصلحة بشرط سبق الدعاء . وعن الخامس : أنه إذا دعا إظهاراً للتضرع ثم رضي بما قدره الله تعالى فذاك أعظم المقامات وهو الجواب عن البقية إذا ثبت أنه من العبادات ، ثم إنه تعالى أمره بالعبادة وبالصلاة أمراً ورد مجملاً لا جرم شرع في أجل العبادات وهو الدعاء . الوجه الرابع : في فضل الدعاء أنه سبحانه لم يقتصر في بيان فضل الدعاء على الأمر به بل بين في آية أخرى أنه يغضب إذا لم يسأل فقال : * ( فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم